زايوتيفي – متابعة
قال أمين السعيد، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إن ظاهرة الترحال السياسي في المغرب أصبحت ترتبط بشكل متزايد بقرب الاستحقاقات الانتخابية، معتبرا أن انتقال المنتخبين والمرشحين بين الأحزاب يعكس، في جانب منه، ضعف العمل الحزبي وغياب الالتزام بالبرامج والأطر التنظيمية.
وأوضح السعيد أن الترحال السياسي يعني تخلي عضو في مجلس النواب أو مجلس المستشارين أو أحد مجالس الجماعات الترابية، بشكل طوعي وإرادي، عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه في آخر انتخابات. وأشار إلى أن الدستور المغربي وضع منذ سنة 2011 قيودا واضحة على تغيير الانتماء السياسي خلال الولاية الانتدابية، حيث ينص الفصل 61 على تجريد عضو مجلس النواب أو مجلس المستشارين من صفته في حال تخليه عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه.
وأضاف ضمن حوار مصور مع نيوزبلس أن هذا المقتضى يمتد، وفق القوانين التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية، إلى أعضاء مجالس الجماعات والعمالات والأقاليم والجهات والغرف المهنية، حيث يمكن أن يؤدي تغيير الانتماء السياسي بشكل إرادي إلى التجريد من العضوية. وأبرز أن المحكمة الدستورية تتولى البت في حالات تجريد أعضاء مجلسي البرلمان، فيما يختص القضاء الإداري بالحالات المرتبطة بمجالس الجماعات الترابية والجهات والغرف المهنية.
ويرى أستاذ القانون الدستوري أن هذه الضوابط ساهمت في الحد من ظاهرة الترحال خلال الولاية الانتدابية، غير أن المشهد السياسي عرف تحولا نحو ما يمكن وصفه بـ”ميركاتو المقاعد” قبيل الانتخابات، حيث تتسابق الأحزاب على استقطاب مرشحين وُصفوا بـ”الكائنات الانتخابية الجاهزة” القادرة على الفوز بالمقاعد، حتى وإن كانوا قد انتقلوا سابقا بين أكثر من حزب.
وحسب السعيد، فإن هذا الوضع يطرح إشكالا يتعلق بضعف التأطير الحزبي والديمقراطية الداخلية، إذ أصبحت بعض الأحزاب، بدل الاستثمار في مناضليها وإنتاج نخبها السياسية، تبحث قبيل الانتخابات عن مرشحين يمتلكون موارد مالية وشبكات اجتماعية وعائلية وقدرة انتخابية تتيح لهم المنافسة والفوز. واعتبر أن استمرار هذه الممارسة يضعف مفهوم التزكية ويحولها من تعبير عن الكفاءة والالتزام الحزبي إلى مجرد وسيلة للوصول إلى المقعد الانتخابي.
وفي السياق ذاته، استند السعيد إلى دراسة حول انتخابات 2021، أعدها عبد الإله سطيل ونشرها مركز الجزيرة للدراسات، مبرزا أن حزب التجمع الوطني للأحرار تصدر قائمة الأحزاب المستفيدة من المرشحين الوافدين من أحزاب أخرى، بعدما رشح 39 وافدا، يليه حزب الاستقلال بـ28 مرشحا، ثم حزب التقدم والاشتراكية بـ24، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ21، والاتحاد الدستوري بـ15، فيما رشح حزب الأصالة والمعاصرة 12 وافدا، والحركة الشعبية تسعة مرشحين وافدين من أحزاب أخرى.
وأكد أن ظاهرة انتقال المرشحين اتسعت، بحسب تقديره، بشكل أكبر خلال الاستحقاقات المرتقبة سنة 2026، مشيرا إلى حالات لمرشحين مروا من ثلاثة أحزاب في فترة قصيرة قبل الحصول على التزكية. واعتبر أن هذا السلوك يضر بمصداقية العمل السياسي ويصرف النقاش الانتخابي عن البرامج والحصيلة والسياسات العمومية نحو البحث عن الأشخاص القادرين على الفوز بالمقاعد.
وفي ما يتعلق بالمنتخبين الذين يفقدون تزكية أحزابهم، أوضح السعيد أن رئيس جماعة أو مجلس عمالة أو إقليم أو جهة لا يمكنه ببساطة التحول إلى الترشح بشكل مستقل دون أن تترتب عن ذلك آثار قانونية، إذ اعتبرت اجتهادات القضاء الدستوري والقضاء الإداري أن التخلي الطوعي عن الانتماء السياسي يمكن أن يشكل أساسا للتجريد. في المقابل، فإن الطرد من الحزب يختلف قانونيا عن الاستقالة الطوعية، وهو ما ظهر في عدد من الاجتهادات القضائية السابقة.
ودعا السعيد إلى إصلاح الظاهرة من ثلاثة مداخل متكاملة، تبدأ من الأحزاب السياسية التي ينبغي أن تمنح الأولوية لمناضليها وأطرها، وتمر عبر التزام المرشحين بالوفاء لانتماءاتهم الحزبية، وصولا إلى الثقافة السياسية للمواطنين والإعلام الذي قال إنه مطالب بتسليط الضوء على ظاهرة الترحال وعدم التعامل معها باعتبارها ممارسة انتخابية عادية.
وبخصوص الجانب التشريعي، اقترح تطوير الضوابط القانونية لتشمل الفترة السابقة للانتخابات، وليس فقط تغيير الانتماء أثناء الولاية الانتدابية. ومن بين المقترحات التي طرحها مراجعة المادة 27 من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، بما يضمن ألا تمنح التزكية إلا لمن قضى مدة محددة داخل الحزب، مثل سنة أو سنتين، إلى جانب تشديد شروط قبول الاستقالات قبيل الانتخابات، بما يحد من انتقال المرشحين في الأسابيع الأخيرة التي تسبق الاقتراع.
وخلص السعيد إلى أن الحد من “ميركاتو المقاعد” لا يرتبط بالقانون وحده، وإنما يتطلب تغييرا في طريقة اشتغال الأحزاب وفي سلوك المرشحين والناخبين على حد سواء، مؤكدا أن الأحزاب مطالبة بإنتاج النخب والكفاءات والمناضلين، بدل انتظار مرشحين جاهزين قبيل الانتخابات، حتى يظل الترحال السياسي حالة استثنائية ولا يتحول إلى قاعدة ملازمة لكل استحقاق انتخابي.