من المغرب إلى العالم.. الملتقى العالمي للتصوف يواصل إشعاعه في دورته الـ21 ويجدد رهانه على التزكية وبناء الإنسان

23 أغسطس 2026 3:19 مساءً

زايوتيفي – متابعة

نطلقت فعاليات الدورة الحادية والعشرين من الملتقى العالمي للتصوف، في أجواء روحانية وفكرية متميزة، تحت إشراف شيخ الطريقة القادرية البودشيشية سيدي منير القادري بودشيش، وبمشاركة نخبة من العلماء والمفكرين والباحثين من المغرب وعدد من دول العالم، في محطة علمية وفكرية تواصل ترسيخ مكانة الملتقى كفضاء للحوار حول قضايا التصوف والتزكية والقيم وبناء الإنسان.

وتنعقد هذه الدورة تحت شعار: «إمارة المؤمنين وصيانة الإرث النبوي: رهانات التزكية وتحقيق نموذج قيمي حضاري لترسيخ الحياة الطيبة»، وهو شعار يضع في صلب النقاش العلاقة بين المرجعية الدينية، والتزكية الروحية، وحماية الإرث النبوي، بما يجعل من الملتقى مناسبة لتوسيع النقاش حول دور القيم في مواجهة التحولات التي يعرفها العالم المعاصر.

ويكتسي اختيار هذا الموضوع أهمية خاصة بالنظر إلى الحاجة المتزايدة إلى إعادة الاعتبار للبعد القيمي والأخلاقي في الحياة العامة، في ظل ما يشهده العالم من تحولات اجتماعية وثقافية وفكرية متسارعة. فالملتقى لا يكتفي بتقديم التصوف باعتباره تجربة روحية فردية، وإنما يفتح النقاش حول قدرته على الإسهام في بناء الإنسان وترسيخ قيم الاعتدال والتوازن والتعايش والمسؤولية.

وتبرز التزكية، وفق المقاربة التي تؤطر أشغال هذه الدورة، باعتبارها مساراً لإصلاح الإنسان من الداخل، وربط المعرفة بالسلوك، والعلم بالأخلاق، والعبادة بالمسؤولية. ومن هذا المنطلق، يحاول الملتقى مساءلة الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها التربية الروحية في بناء شخصية متوازنة قادرة على التفاعل الإيجابي مع محيطها، بعيداً عن مظاهر التطرف والانغلاق والتوتر التي أصبحت من أبرز تحديات العصر.

كما يشكل مفهوم صيانة الإرث النبوي أحد المحاور المركزية في هذا النقاش، باعتبار أن الإرث النبوي لا يختزل في الجانب المعرفي أو التاريخي، بل يرتبط بمنظومة متكاملة من القيم والسلوكيات والمبادئ التي تؤكد الرحمة والعدل والإحسان واحترام الإنسان وصون كرامته. ومن هنا تأتي أهمية استحضار هذا الإرث في النقاش حول مستقبل المجتمعات، خصوصاً في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى مرجعيات أخلاقية قادرة على تحقيق التوازن بين الثوابت والتحولات.

وفي هذا السياق، تحضر إمارة المؤمنين باعتبارها إطاراً مؤسساتياً ومرجعياً لتنظيم الشأن الديني بالمغرب، ضمن مقاربة تستند إلى الحفاظ على الثوابت الدينية وتعزيز قيم الاعتدال والوسطية، وهي عناصر تفتح المجال أمام نقاش أوسع حول النموذج المغربي في تدبير الحقل الديني، ودور المؤسسات والهيئات العلمية والروحية في حماية الأمن الروحي وترسيخ الاستقرار القيمي.

وتكتسب مشاركة علماء ومفكرين وباحثين من داخل المغرب وخارجه أهمية إضافية، بالنظر إلى ما توفره من تعدد في الرؤى والخبرات، بما يسمح بفتح نقاش عابر للحدود حول قضايا تتجاوز الجغرافيا، من قبيل أزمة القيم، وتحديات التربية الروحية، ومستقبل الحوار بين الثقافات والأديان، ودور المؤسسات الدينية في مواكبة التحولات التي تعرفها المجتمعات الحديثة.

ولا تقتصر أهمية الملتقى على الجانب العلمي والأكاديمي، بل تمتد إلى البعد الروحي والتربوي الذي يميز مختلف فقراته، حيث يشكل حضور مريدي الطريقة القادرية البودشيشية من داخل المغرب وخارجه عنصراً بارزاً في هذا الحدث، ويعكس اتساع دائرة الاهتمام بالتجربة الصوفية البودشيشية وبخطابها المرتبط بالتزكية والتربية الروحية.

ويأتي انعقاد الدورة الـ21 ليؤكد كذلك استمرارية الملتقى العالمي للتصوف في طرح قضايا ذات راهنية، ومحاولة ربط التراث بالواقع، والروحانية بأسئلة الإنسان المعاصر. فالتحدي المطروح اليوم لا يتمثل فقط في الحفاظ على الموروث الروحي، وإنما في القدرة على تحويل القيم التي يحملها هذا الموروث إلى سلوك وممارسة ومساهمة فعلية في بناء مجتمع أكثر توازناً وتضامناً.

ومن هذه الزاوية، تبدو عبارة «ترسيخ الحياة الطيبة» في شعار الدورة ذات دلالة عميقة، لأنها تنقل النقاش من مستوى المفاهيم المجردة إلى مستوى أثر القيم في الحياة اليومية. فالحياة الطيبة، في بعدها الروحي والحضاري، تقوم على تحقيق التوازن بين البعد المادي والبعد المعنوي، وبين التنمية والإنسان، وبين التقدم والحفاظ على منظومة أخلاقية تؤطر هذا التقدم.

كما أن تنظيم هذا الموعد الفكري والروحي في المغرب يعكس الحضور المتواصل للتجربة الصوفية ضمن المشهد الديني والثقافي الوطني، وحرص الفاعلين في هذا المجال على جعل التصوف مجالاً للحوار والتفكير في القضايا الراهنة، وليس مجرد استحضار لموروث تاريخي.

وتتجه أشغال هذه الدورة، من خلال محاورها ومداخلاتها، إلى مساءلة مجموعة من القضايا المرتبطة بالتزكية والإرث النبوي والقيم الحضارية، مع محاولة استشراف السبل الكفيلة بتحويل هذه المبادئ إلى رافعة لبناء الإنسان وتعزيز السلم المجتمعي والانفتاح والحوار.

وفي المحصلة، يشكل افتتاح الدورة الحادية والعشرين من الملتقى العالمي للتصوف محطة جديدة في مسار هذا الموعد الدولي، الذي يسعى إلى الجمع بين العلم والتزكية، والفكر والروحانية، والتراث وأسئلة الحاضر. كما يطرح الملتقى من خلال شعاره لهذه السنة سؤالاً مركزياً يتجاوز حدود التصوف نفسه: كيف يمكن للقيم الروحية والأخلاقية أن تساهم في بناء نموذج حضاري أكثر توازناً، يحفظ للإنسان كرامته، ويعزز ثقافة الاعتدال، ويجعل من الإرث النبوي مصدراً للإلهام في مواجهة تحديات العصر؟

وبذلك، لا تبدو الدورة الـ21 مجرد مناسبة لتجديد اللقاء بين أهل التصوف والعلم والفكر، وإنما فضاءً مفتوحاً لإعادة التفكير في وظيفة القيم داخل المجتمع، وفي قدرة التزكية على المساهمة في صناعة إنسان أكثر وعياً بذاته، وأكثر انفتاحاً على الآخر، وأكثر ارتباطاً بمسؤوليته في بناء مستقبل يقوم على السلم والرحمة والتعايش والحياة الطيبة.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *