زايوتيفي – مصطفى لزعر
لم يكن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بمذاغ مجرد موعد احتفالي عابر، ولا مشهداً موسمياً ينقضي بانقضاء ليلته، بل كان ملحمةً روحانيةً متوهجة، ومجلىً للمحبة المحمدية الصادقة، حيث تآلفت القلوب على ذكر المصطفى ﷺ، وتعطّرت الأرواح بسيرته العطرة، وارتفعت الأصوات بالصلاة والسلام عليه، في مشهد مهيب استعاد فيه المكان شيئاً من أنوار النبوة، ودفء المحبة، وصفاء التعلق بالجناب المحمدي الشريف.
وشهدت الزاوية القادرية البودشيشية، منذ الصباح الباكر، تدفق آلاف المريدين والزوار الذين حرصوا على المشاركة في هذه المناسبة الدينية العظيمة، إلى جانب شيخ الطريقة القادرية البودشيشية، الدكتور سيدي منير القادري البودشيش، حيث تحوّل مقر الزاوية إلى ملتقى إسلامي وروحي ذي إشعاع دولي، يعكس معاني المحبة والتعظيم لشخص النبي محمد ﷺ، ويجمع بين أهل العلم والتصوف من داخل المغرب وخارجه.
وقد عرف هذا الموعد الروحي الكبير نجاحاً لافتاً، تجلّى في الحضور الجماهيري الواسع والوفود الغفيرة التي تقاطرت على رحاب مذاغ من مختلف ربوع المملكة ومن آفاق دولية متعددة، في صورة تؤكد أن المولد النبوي الشريف ما يزال يحتفظ بمكانته الراسخة في الوجدان المغربي، باعتباره مدرسة للمحبة، ومناسبة لاستجلاء معاني الاقتداء والرحمة والتزكية، وليس مجرد استحضار لمناسبة في بعدها التاريخي.
ويشكّل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف محطة سنوية بارزة في الحياة الروحية للطريقة القادرية البودشيشية، إذ يجتمع المريدون من مختلف المدن المغربية ومن القارات الخمس، في أجواء يسودها التآخي والمحبة والصفاء، لاستحضار شمائل الرسول الكريم ﷺ، والتأمل في معاني رسالته وقيمها الإنسانية والروحية.
وفي ظل الإشراف المتبصر لمدير الملتقى العالمي للتصوف وشيخ الطريقة القادرية البودشيشية، الدكتور سيدي منير القادري البودشيش، اكتست رحاب مذاغ حلة روحية متميزة، واتخذ الاحتفال أبعاداً تتجاوز المظهر الاحتفالي إلى جوهر التصوف في معناه التربوي والسلوكي؛ حيث تلتقي المحبة بالمعرفة، والذكر بالتزكية، والفرح بالمصطفى ﷺ باستحضار سيرته وأخلاقه وشمائله.
لقد كانت مذاغ، في هذه المناسبة، أشبه بفسحة من الصفاء وسط صخب العالم، ومحراباً مفتوحاً تتعانق فيه الأرواح قبل الأجساد، وتتوحّد فيه الألسنة على الصلاة والسلام على خير البرية ﷺ. فحيثما ارتفع الذكر، خفت ضجيج المادة، وحيثما حضرت المحبة، انحسر جفاء النفوس، وحيثما استُحضرت السيرة النبوية، استعاد الإنسان بوصلته نحو مكارم الأخلاق، وسمو المعاملة، ونبل المقصد.
وكان الحضور الكثيف والوفود المتنوعة عنواناً بارزاً على أن هذا الموعد الروحي أصبح ذا إشعاع يتجاوز الحدود الجغرافية، وأن الملتقى العالمي للتصوف استطاع أن يرسّخ لنفسه مكانة معتبرة باعتباره فضاءً للحوار الروحي والفكري، ومنبراً لاستحضار القيم الصوفية الأصيلة القائمة على الاعتدال والرحمة والتعايش والتزكية.
ولعل ما ميّز دورة هذا العام هو ذلك الحضور الاستثنائي الذي جعل مذاغ تعيش لحظة فارقة في مسارها الروحي، حتى بدا المشهد وكأنه لوحة بشرية هائلة تتعدد فيها الوجوه والألسنة والجهات، بينما يجمعها مقصد واحد: المحبة في الله، والاحتفاء برسول الله ﷺ، واستحضار أنوار سيرته وهديه.
وقد صدحت حناجر المحبين بالمدائح النبوية والأناشيد الروحية، وترددت الصلاة والسلام على النبي ﷺ في أرجاء المكان، فكان الذكر لغة جامعة لا تحتاج إلى ترجمان، وكانت المدائح جسراً يصل ظاهر الاجتماع بباطن المعنى، ويمنح المناسبة بعدها الوجداني والروحي العميق.
إن التصوف، حين يستعيد صفاءه الأصيل، لا ينفصل عن قيم المجتمع ولا ينعزل عن قضايا الإنسان، وإنما يربي على تهذيب النفس، وتطهير السريرة، وإعلاء شأن الأخلاق، وترسيخ معاني الرحمة والاعتدال. ومن هنا تأتي أهمية هذه الملتقيات التي تجعل من الذكر باباً إلى الأخلاق، ومن المحبة طريقاً إلى السلوك، ومن السيرة النبوية مناراً يهدي الإنسان في زمن تتنازعه الماديات والأهواء.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الذي يضطلع به الشيخ الدكتور سيدي منير القادري البودشيش في مواكبة هذا الإشعاع الروحي، والإشراف على ملتقى استطاع أن يجمع بين عمق التجربة الصوفية وحضورها في الفضاء الثقافي والفكري، وأن يحوّل المناسبة من مجرد احتفال إلى موعد للتلاقي والتعارف وتبادل المعارف واستجلاء المقاصد النبيلة للتراث الصوفي المغربي.
لقد أثبتت هذه التظاهرة، من خلال نجاحها اللافت وحجم الإقبال عليها، أن المحبة المحمدية لا تزال تمتلك قدرة كبيرة على جمع القلوب وتوحيد المشاعر، وأن مذاغ ما تزال تحتفظ بمكانتها باعتبارها إحدى الحواضر الروحية التي تتردد فيها أصداء الذكر والتربية والسلوك.
وهكذا أسدل المولد النبوي الشريف ستاره على ليلة ستظل عالقة في الذاكرة، لا بما شهدته من كثافة الحضور وروعة التنظيم وثراء البرنامج فحسب، وإنما بما خلفته في النفوس من سكينة، وفي الأرواح من صفاء، وفي الوجدان من تعلق بالمصطفى العدنان ﷺ.
إنها ليلة اختلط فيها الذكر بالوجد، والمحبة بالشوق، والسيرة بالعبرة، والتصوف بالأخلاق؛ ليلة قالت فيها مذاغ، بصوت لا يحتاج إلى كثير بيان: إن المحبة المحمدية ما تزال حية في القلوب، وإن النور الذي أشرق بمولد خير البرية ﷺ لا يزال يجد في النفوس الصادقة موطناً ومستقراً.
وفي ختام هذه المناسبة الروحية المباركة، ارتفعت أكف الضراعة بالدعاء إلى الله تعالى أن يحفظ أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وأن يمتعه بموفور الصحة والعافية، ويقر عينه بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، ويشد أزره بصنوه صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، ويحفظ الأسرة الملكية الشريفة، ويديم على المملكة المغربية نعمة الأمن والاستقرار والوحدة والازدهار، وأن يحفظ المغرب وأهله من كل سوء، وأن يوفق جلالة الملك لما فيه خير البلاد والعباد.
اللهم احفظ أمير المؤمنين، وانصره نصراً عزيزاً، وأدم عليه نعمة الصحة والعافية، واحفظه في ولي عهده والأسرة الملكية الشريفة، وبارك في خطواته لما فيه خير المغرب والمغاربة، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.












