زايوتيفي – مصطفى لزعر
لم تعد القرية التضامنية التي تحتضنها رحاب الزاوية القادرية البودشيشية بمذاغ مجرد فضاء لعرض المنتجات أو محطة موسمية ضمن أجندة التظاهرات، بل أضحت، على امتداد دوراتها المتتالية، موعداً تنموياً ومجتمعياً تتقاطع فيه مبادرات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مع قيم التعاون والتكافل والانفتاح على التجارب الدولية.
وقد أكدت هذه الدورة الرابعة عشرة، التي نظمتها الطريقة القادرية البودشيشية ومؤسسة الملتقى، تحت إشراف شيخ الطريقة الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، وبالتوازي مع فعاليات الملتقى العالمي للتصوف واحتفالات ذكرى المولد النبوي الشريف، أن هذه التجربة باتت تفرض حضورها كإحدى المحطات البارزة التي تجمع بين البعد الروحي والديني والبعد الاجتماعي والتنموي.
وسجلت الدورة الرابعة عشرة إقبالاً لافتاً من الزوار والمشاركين، إلى جانب حضور عدد من الضيوف والمشاركين القادمين من دول مختلفة، وهو ما منح القرية التضامنية بعداً دولياً، وحولها إلى فضاء للتعارف وتبادل التجارب والخبرات والانفتاح على نماذج مختلفة في مجال التنمية والعمل التضامني.
هذا الحضور المتنوع لم يكن مجرد إضافة عددية، بل شكل فرصة لتبادل الأفكار والممارسات، وفتح نقاشات حول سبل تطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتعزيز قدرته على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً في ما يرتبط بتمكين النساء والشباب وتشجيع المبادرات المحلية.
وشكلت مشاركة عدد مهم من التعاونيات القادمة من مختلف المدن المغربية أحد أبرز عناوين نجاح هذه الدورة، حيث أتاحت القرية فضاءات لعرض وتسويق المنتجات المحلية والتعريف بالمشاريع والتجارب والمبادرات التي راكمها أصحابها في مجالات متعددة.
كما شكلت هذه المشاركة مناسبة لإبراز تنوع وغنى الموارد المحلية، وتحويل المنتوج المحلي من مجرد مادة تجارية إلى واجهة للهوية الثقافية والمجالية وفرصة لخلق القيمة وتحسين الدخل ودعم التنمية المحلية.
ولم تقتصر المبادرة على العرض والتسويق، إذ واكبتها ورشات وتكوينات تأطيرية لفائدة التعاونيات والفاعلين في المجال، بما يسهم في تطوير قدراتهم، وتحسين أساليب التدبير والتسويق، وتعزيز الحكامة والابتكار.
وتبرز أهمية القرية التضامنية في كونها لا تتعامل مع التعاونيات باعتبارها مجرد عارضين، وإنما باعتبارهم فاعلين حقيقيين في التنمية يحتاجون إلى التكوين والمواكبة وفتح قنوات التواصل والشراكة.
ومن هنا، برزت أهداف مؤسسة الملتقى في تعزيز الحكامة، وتشجيع الابتكار، وتمكين النساء والشباب، وتثمين الموارد المحلية، بما يجعل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني رافعة حقيقية للتنمية، وليس فقط مجالاً للإنتاج والتسويق.
كما شكلت الدورات التكوينية والورشات فرصة أمام المشاركين لمناقشة الإكراهات التي تواجه التعاونيات والجمعيات، والبحث عن حلول عملية تساعدها على تطوير آليات اشتغالها وتعزيز حضورها في النسيج الاقتصادي والاجتماعي المحلي والجهوي.
ومن أبرز ما ميز الدورة الرابعة عشرة هذه السنة، ذلك الحضور الدولي المتنوع الذي جعل من القرية التضامنية فضاءً يلتقي فيه المحلي بالعالمي، وتتجاور فيه التجارب المغربية مع تجارب قادمة من بلدان مختلفة.
وهنا تتجلى إحدى أهم نقاط قوة هذه المبادرة: القدرة على تحويل تظاهرة ذات جذور محلية إلى منصة للحوار والتبادل، تستقطب مشاركين من داخل المغرب وخارجه، وتمنح المبادرات المحلية فرصة للخروج من نطاقها الجغرافي والتعريف بتجاربها أمام جمهور أوسع.
ويكتسي تنظيم القرية التضامنية بالتوازي مع الملتقى العالمي للتصوف واحتفالات المولد النبوي الشريف دلالة خاصة، إذ يجمع هذا الموعد بين القيم الروحية وقيم التضامن والتكافل وخدمة المجتمع.
فالرسالة التي تحملها هذه الدينامية لا تقف عند حدود تنظيم المناسبات، وإنما تمتد إلى مواكبة المبادرات المجتمعية، وتشجيع العمل التعاوني، ودعم الفئات المنتجة، وفتح فضاءات للتواصل والتكوين والتسويق.
وبالنظر إلى حجم الإقبال، وتنوع المشاركين، والحضور الدولي، وتعدد التعاونيات والمنتجات والمبادرات، فضلاً عن البرامج التكوينية والتأطيرية، يمكن القول إن الدورة الرابعة عشرة للقرية التضامنية كرست نجاح التجربة ورسخت مكانتها كفضاء للتنمية والتواصل والتبادل.
كما تؤكد هذه الدينامية أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني قادر على أن يكون جسراً بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والمجالية، وأن الاستثمار في الإنسان والموارد المحلية وتمكين النساء والشباب يشكل مدخلاً أساسياً لبناء تنمية أكثر استدامة وشمولاً.
وفي هذا السياق، تواصل مؤسسة الملتقى والطريقة القادرية البودشيشية ترسيخ نموذج يقوم على الجمع بين البعد الروحي والانخراط في القضايا المجتمعية، من خلال مواكبة المبادرات المحلية، وتشجيع التعاون والتكافل، وفتح المجال أمام الكفاءات والخبرات المغربية والدولية لتبادل التجارب.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية القرية التضامنية بمذاغ كفضاء عملي لتشجيع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ومواكبة التعاونيات والفاعلين المحليين، وفتح آفاق جديدة أمام المبادرات الشبابية والنسائية، بما يساهم في ترسيخ ثقافة التضامن والتعاون وخدمة التنمية المحلية، انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

