زايوتيفي – متابعة
يشكل التحاق التلميذ بالمدارس والمعاهد العليا تحولا فارقا في مساره الدراسي والشخصي. فهو لا ينتقل فقط من مرحلة التعليم الثانوي إلى التعليم العالي، وإنما ينتقل أيضا من وضعية “التلميذ” إلى وضعية “الطالب”، بما تحمله هذه المرحلة من استقلالية أكبر، ومسؤوليات جديدة، وعلاقات اجتماعية مختلفة.
ويزداد هذا التحول أهمية عندما يتعلق الأمر بالمدارس العليا التي تستقبل الطلبة في الداخليات. فالطالب الجديد يجد نفسه، بين عشية وضحاها، في محيط لم يألفه من قبل: مؤسسة جديدة، نظام دراسي مختلف، مدينة أو داخلية جديدة، ورفاق جدد، أغلبهم لا يعرفهم. وقد يكون هذا الطالب خجولا، أو متحفظا، أو متقوقعا على نفسه، ويحتاج إلى بعض الوقت حتى ينسجم مع محيطه الجديد.
من هنا ظهرت فكرة “البيزوطاج” في عدد من المدارس والمعاهد العليا، باعتباره مناسبة لاستقبال الطلبة الجدد من طرف الطلبة القدامى، ومساعدتهم على كسر حاجز الخجل والاندماج بسرعة في الحياة الطلابية. وفي أصل الفكرة، كان “البيزوطاج” مناسبة للتعارف، وبناء العلاقات، واكتشاف المؤسسة، والتفاعل مع الطلبة القدامى، بل وحتى فتح نقاشات فكرية وثقافية وفنية تساهم في تكوين شخصية الطالب.
لقد عشتُ شخصياً تجربة «البيزوطاج»، ليس فقط كطالب خضع له، وإنما أيضا كمسؤول طلابي شارك في تأطيره. وأتذكر جيدا أن البيزوطاج، في تلك المرحلة، لم يكن مجرد أسبوع للمرح أو للتسلية، ولم يكن مناسبة لإهانة الطالب الجديد أو فرض سلوكيات غريبة عليه.
كانت النقاشات الفكرية والثقافية حاضرة بقوة، وكانت القضايا الوطنية والمجتمعية والثقافية والفنية موضوعا للنقاش بين الطلبة. وكانت جلسات الحوار والنقاش تمتد أحيانا إلى ما بعد منتصف الليل، دون أن يشعر الطالب الجديد أنه أمام محكمة أو أمام مجموعة جاءت لإذلاله. بل كان يشعر أنه دخل عالما جديدا، وأن هناك من يفتح له الباب للانضمام إلى هذا العالم.
كان الهدف من “البيزوطاج” هو بناء الطالب والارتقاء بوعيه، لا كسر شخصيته والتهكم عليه.
هذا هو البيزوطاج الذي عرفناه… فما هو حال البيزوطاج الذي نراه اليوم؟
حملت السنوات الأخيرة معها في بعض المؤسسات، صورة مختلفة تماما. فقد بدأنا نشاهد أشكالا من “البيزوطاج” لا تعكس ذلك الوعي الطلابي الذي عرفته الأجيال السابقة، وإنما تعكس، في بعض الحالات، تراجعا واضحا في مستوى الثقافة والحوار، وتحولا من ممارسة هدفها الاندماج إلى طقوس هدفها إخضاع الطالب الجديد وإضحاك الآخرين على حسابه.
فما معنى أن يُحرم الطالب الجديد من الراحة والنوم باسم “البيزوطاج”؟
ما معنى أن يُفرض عليه ارتداء ملابس النوم طوال اليوم؟
ما معنى أن يُجبر على التلفظ بكلام فاحش أو القيام بسلوكيات لا يقبلها لو كان حرا في الاختيار؟
ما معنى أن تُفرض عليه وضعيات مهينة، مثل «المينوط»، أو تقليد مشية البطة، أو حركة الدودة، وغيرها من الحركات التي لا علاقة لها لا بالتكوين ولا بالاندماج ولا بالحياة الطلابية؟
المشكلة ليست في أن يضحك الطلبة، ولا في أن يعيشوا أسبوعا مختلفا، ولا في أن يمارسوا بعض الأنشطة المرحة التي تكسر الحواجز بين الجدد والقدامى. المشكلة تبدأ عندما يصبح المرح ذريعة لإلغاء كرامة الآخر. فالطالب الجديد ليس مادة للفرجة، وليس ضحية يُسمح للجميع بالسخرية منها لمجرد أنه جديد.
وإذا كان الهدف من “البيزوطاج” هو مساعدة الطالب على الاندماج، فإن السؤال البسيط الذي ينبغي طرحه هو: هل يمكن أن يبدأ اندماج إنسان جديد في مؤسسة جديدة بإهانته؟ هل يمكن أن نبني الثقة من خلال التخويف؟ هل يمكن أن نقوي شخصية الطالب من خلال إذلاله؟ وهل يمكن أن نُعلمه احترام الآخرين ونحن نبدأ علاقتنا به بإجباره على القيام بأشياء مهينة ورافض لها؟
الأخطر من ذلك هو أن يتحول “البيزوطاج” إلى مساحة يفرغ فيها البعض نزواتهم أو رغبتهم في السيطرة أو حبهم للظهور على حساب الطلبة الجدد. فهناك فارق كبير بين طالب قديم يساعد طالبا جديدا على الاندماج، وطالب قديم يستغل موقعه لفرض سلطته عليه.
فحين يتحول “البيزوطاج” إلى سلسلة من الممارسات التي لا تحمل أي مضمون فكري أو ثقافي أو تربوي، يصبح من المشروع أن نتساءل: من يحتاج فعلاً إلى “البيزوطاج”؟
فالمدرسة العليا ليست فضاء خارج القانون، وليست مؤسسة يمكن أن تصبح فيها أعراف الطلبة أقوى من سلطة الإدارة. ومكتب الطلبة، مهما كان دوره مُهما في تأطير الحياة الطلابية، يظل هيئة طلابية داخل المؤسسة، وليس سلطة موازية لها.
ومن حق الطلبة أن ينظموا أنشطتهم، وأن تكون لهم مساحة من الاستقلالية، وأن يساهموا في تأطير الحياة الطلابية. لكن الاستقلالية لا تعني الفوضى. والحرية لا تعني الاعتداء على حرية الآخرين. والحياة الطلابية لا تعني تعليق حقوق الطالب الجديد بمجرد دخوله المؤسسة.
لهذا، فإن مسؤولية الإدارة لا تبدأ عندما تقع الكارثة، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير. كان بإمكان إدارة أي مدرسة عليا أن تطلب من مكتب الطلبة برنامج أسبوع «البيزوطاج» بالتفصيل، وأن تحدد بوضوح الأنشطة المقبولة والمرفوضة، وأن تضع قواعد تحمي الطالب الجديد من الإهانة أو الإكراه أو أي ممارسة تمس كرامته.
وما دام “البيزوطاج” نشاطا يجري داخل المؤسسة وتحت أنظار مسؤوليها، فإن الإدارة لا يمكن أن تتعامل معه وكأنه شأن طلابي لا علاقة لها به. فهل تعلم إدارة المدرسة العليا للمعادن، وغيرها من المؤسسات، أن مسؤوليتها تبدأ تحديدا عندما يتجاوز الطالب حدود حريته ويتعدى على حرية زميله؟
أتذكر، وأنا أستعيد هذه التجربة، موقفا شخصيا عشتُه خلال فترة “البيزوطاج” عندما التحقتُ بمؤسسة عليا. في أوج أسبوع “البيزوطاج”، أراد أحد الطلبة أن يحلق شعري. رفضتُ ذلك. لم يكن رفضي بسبب الخوف من الحلاقة، وإنما لأنني كنت أؤمن، وما زلت أؤمن، بأن الإنسان حر في جسده، وأن لا أحد يملك الحق في أن يفرض عليّ ماذا أفعل بجسدي، حتى ولو كان الأمر في نظره مجرد مزاح. أمام إصراره، دخلتُ معه في نقاش حول جدوى الحلاقة وما الغاية منها؟ وما القيمة التي سيضيفها هذا الفعل إلى الطالب الجديد؟
وجدتُ الطالب الذي يريد فرض حلاقة الرأس علي، فارغا ولا ثقافة له. حينها قلتُ له “أعتقد أنك أنت من تحتاج للبيزوطاج وليس أنا”. وحين كان بعض الطلاب القدامى الذين يحوِّلون “البيزوطاج” إلى أسبوع المرح و”التفلية”، يريدون إدخالي في تفاهتهم، كنت أدخل معهم في نقاش لتحديد الجدوى من طلباتهم، فينصرفون لحالهم.
إن البيزوطاج الذي عرفناه كان، رغم ما قد يكون فيه من تجاوزات، مرتبطا في جزء كبير منه بالحوار والثقافة والنقاش وبناء الشخصية، ومساعدة الطالب الجديد على الاندماج بسرعة وهو ما يمكن أن ينعكس إيجابا على مساره الدراسي.
أما البيزوطاج الذي يتحول إلى سهر قسري، وحرمان من النوم، وفرض للملابس، وكلام فاحش، وحركات مهينة، وإكراه على القيام بأشياء لا يريدها الطالب، فلا علاقة له، في تقديري، بالاندماج الذي يفترض أن يكون هدفه الأساسي.
وفي النهاية، يبقى السؤال موجها إلى الجميع، طلبة وإدارة ومؤسسات: هل نريد “بيزوطاجا” يصنع الطالب… أم “بيزوطاجا” يصنع الضحية؟
وإذا كان الطالب الجديد يحتاج إلى أسبوع يساعده على الاندماج في حياته الجديدة، فإن بعض الطلبة القدامى قد يحتاجون، قبل ذلك، إلى درس آخر في معنى الحرية، والكرامة، والثقافة، واحترام الآخر. فربما يكون “البيزوطاج” الحقيقي الذي تحتاجه مدارسنا العليا اليوم هو أن نعيد للطالب معنى أن يكون طالبا.
في الأخير نقول إن التلميذ حين ينتقل للمدرسة العليا، ويسكن في الداخلية، يفتح عهدا جديدا في حياته. وقد يكون التلميذ خجولا أو متقوقعا على نفسه، وهو ما لا ينسجم مع حياة الطالب. لهذا يكون “البيزوطاج” عاملا يساعد الطالب الجديد للاندماج السريع في محيطه الطلابي، وهو ما يقوي شخصيته ويساعده في دراسته.
لكن التجاوزات التي تقع أمام أنظار إدارة المؤسسة العليا، ولا تحرك ساكنا، يطرح أكثر من سؤال حول قدرة هذه الإدارة على محاربة التفاهة في مؤسسة عليا، وقدرتها على حماية الطالب الجديد من هذه التجاوزات.