زايوتيفي.نت
في السادس من يناير 1848، وصلت بعثة عسكرية إسبانية إلى جزر الجعفرية، الواقعة قبالة الساحل الشرقي للمغرب، بالقرب من رأس الماء ومصب نهر ملوية، لتنتهي العملية برفع العلم الإسباني وإقامة وجود عسكري دائم بالأرخبيل. وشكل هذا التحرك محطة بارزة في تاريخ المنطقة، في سياق التنافس الأوروبي على المواقع الاستراتيجية بشمال إفريقيا خلال القرن التاسع عشر.
ولم تكن السيطرة على هذه الجزر الثلاث مجرد عملية عسكرية محدودة، بل ارتبطت بحسابات سياسية وعسكرية أوسع، فرضها توسع النفوذ الفرنسي في الجزائر منذ سنة 1830، وتصاعد التنافس بين مدريد وباريس حول المواقع البحرية القريبة من السواحل المغربية.
موقع استراتيجي صغير وأهمية تاريخية كبيرة
يتكون أرخبيل الجعفرية من ثلاث جزر صغيرة في البحر الأبيض المتوسط، قبالة الساحل الشرقي للمغرب، على مقربة من رأس الماء ومصب نهر ملوية. ورغم محدودية مساحتها وصعوبة الاستقرار فيها بسبب ندرة المياه العذبة، فقد اكتسبت أهمية استراتيجية بالنظر إلى موقعها البحري وإمكانية استخدامها لأغراض عسكرية وملاحية.
وتزايد الاهتمام الأوروبي بالمواقع الساحلية في شمال إفريقيا خلال القرن التاسع عشر، خاصة بعد احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830، وهو التطور الذي غيّر موازين القوى في غرب البحر الأبيض المتوسط، ودفع إسبانيا إلى تعزيز حضورها في عدد من المواقع القريبة من السواحل المغاربية.
وفي هذا السياق، برزت جزر الجعفرية باعتبارها موقعاً يمكن أن يشكل نقطة مراقبة وتمركز عسكري، فضلاً عن أهميتها في إطار التنافس على النفوذ البحري في المنطقة.
مخاوف إسبانية من التوسع الفرنسي
تشير وثيقة عسكرية إسبانية تعود إلى سنة 1848، تحمل عنوان «ملخص تاريخي لبعثة احتلال جزر الجعفرية»، وأعدها العقيد خوسيه ديل أويو، إلى أن الحكومة الإسبانية أصدرت، في 26 يونيو 1847، تعليمات تتعلق بالاستعداد للسيطرة على الجزر، مع التشديد على ضرورة التحرك إذا ظهرت مؤشرات جدية على نية فرنسا احتلالها.
وبحسب الوثيقة ذاتها، أبلغ حاكم مليلية، خلال نونبر من السنة نفسها، عن قيام سفينة حربية فرنسية تحمل اسم «فيلوز» باستطلاع المنطقة. كما تحدثت المعلومات المتوفرة آنذاك عن احتمال سعي فرنسا إلى استئجار الجزر أو طلبها من سلطان المغرب.
وتعكس هذه المعطيات حجم القلق الذي كان يساور السلطات الإسبانية إزاء احتمال توسع النفوذ الفرنسي بالقرب من مناطق نفوذها في شمال إفريقيا. غير أن الإشارات إلى احتمال توجه فرنسا إلى السلطان المغربي لا تثبت، في حد ذاتها، أن مفاوضات رسمية جرت بالفعل بين باريس والسلطة المغربية بشأن الجزر.
بعثة عسكرية تنطلق من مالقة
بعد تسريع الاستعدادات، غادرت بعثة عسكرية إسبانية ميناء مالقة يوم 4 يناير 1848، وفق دراسة للمختص في القانون الدولي خيسوس فيردو بايثا.
وضمت البعثة عدداً من السفن، من بينها «بيليس» و«فولكانو» و«إيزابيل الثانية» و«فليتشا»، إلى جانب نحو 550 جندياً، ومعدات هندسية ومدافع وإمدادات مخصصة لإقامة التحصينات وتأمين احتياجات القوات المتمركزة في الجزر.
وعلى الرغم من الظروف الجوية الصعبة التي رافقت الرحلة، وصلت السفن الإسبانية إلى الأرخبيل صباح السادس من يناير 1848، حيث نزلت القوات ورفعت العلم الإسباني، معلنة وضع الجزر تحت سلطة الملكة إيزابيل الثانية.
وأطلقت السلطات الإسبانية أسماء جديدة على الجزر الثلاث، هي «الكونغرس» و«إيزابيل الثانية» و«الملك»، قبل الشروع في إنشاء مرافق عسكرية وخزانات للمياه ومنشآت ضرورية لاستقرار الحامية.
وبذلك، انتقلت التحركات الإسبانية من مرحلة الاستعداد والمراقبة إلى إقامة وجود عسكري فعلي، في خطوة هدفت إلى تثبيت السيطرة على الأرخبيل ومنع قوة أوروبية منافسة من الاستحواذ عليه.
هل حسمت إسبانيا السباق قبل فرنسا بساعات؟
تتداول بعض الروايات التاريخية قصة وصول سفينة فرنسية إلى المنطقة بعد رفع العلم الإسباني، وتقدم العملية أحياناً باعتبارها سباقاً بين القوتين حُسم بفارق زمني قصير.
غير أن المصادر التاريخية لا تتفق بصورة كاملة بشأن التوقيت الدقيق لوصول السفينة الفرنسية؛ إذ تتحدث بعض الكتابات عن فارق زمني محدود، بينما تشير مصادر إسبانية أخرى إلى أن السفينة وصلت بعد أيام من عملية الإنزال.
لذلك، يصعب الجزم بأن إسبانيا سبقت فرنسا بساعات معدودة، رغم أن المعطيات المتاحة تشير إلى أن القوات الإسبانية كانت قد أقامت وجوداً عسكرياً في الجزر قبل أن تتمكن فرنسا من فرض سيطرتها عليها.
وتكشف هذه الروايات، بصرف النظر عن الاختلاف في تفاصيل التوقيت، عن أهمية العامل الزمني في حسابات القوى الأوروبية آنذاك، إذ كان الوصول المبكر إلى موقع استراتيجي كفيلاً بتغيير مسار التنافس حوله.
أين كان المغرب من أحداث سنة 1848؟
لا يقتصر تاريخ جزر الجعفرية على التنافس الإسباني الفرنسي، بل يثير أيضاً تساؤلات بشأن وضعها قبل سنة 1848 وموقع المغرب في الصراع حول الجزر الواقعة قبالة ساحله الشرقي.
ففي الوقت الذي تستند فيه بعض الكتابات القانونية الإسبانية إلى اعتبار الجزر غير خاضعة لسيادة دولة قبل الاحتلال لتفسير السيطرة عليها، فإن موقعها الجغرافي قبالة الساحل المغربي، إلى جانب ورود احتمال مخاطبة سلطان المغرب في الوثيقة العسكرية الإسبانية، يفتح المجال أمام التساؤل حول طبيعة وضعها السياسي والقانوني قبل وصول القوات الإسبانية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الموقع الجغرافي للجزر، والادعاءات التي أوردتها المصادر التاريخية، والأدلة القانونية اللازمة لإثبات السيادة. فغياب وجود عسكري دائم لا يشكل، بمفرده، دليلاً قاطعاً على انتفاء أي ارتباط سياسي أو سيادي، كما أن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي للحسم في مسألة السيادة.
ومن ثم، فإن تحديد الوضع القانوني للجزر قبل سنة 1848 يتطلب الرجوع إلى وثائق تاريخية ودبلوماسية إضافية، بما في ذلك المراسلات الرسمية والاتفاقيات والمعطيات التي توضح طبيعة علاقة السلطة المغربية بالأرخبيل خلال تلك المرحلة.
حضور إسباني مستمر وأسئلة تاريخية مفتوحة
منذ يناير 1848، استمر الوجود الإسباني في جزر الجعفرية، التي عرفت استخدامات عسكرية ووظائف أخرى، وظلت مرتبطة بالملفات التاريخية والسياسية التي تطبع العلاقات المغربية الإسبانية.
وتبرز أحداث ذلك التاريخ كيف تحولت جزر صغيرة، محدودة الموارد والمساحة، إلى نقطة ذات أهمية في التنافس الأوروبي على شمال إفريقيا. فقد ساهم الاحتلال الفرنسي للجزائر في إعادة تشكيل الحسابات الاستراتيجية بالمنطقة، بينما سعت إسبانيا إلى تثبيت حضورها البحري عبر التحرك السريع نحو الأرخبيل.
وبين الوثائق العسكرية الإسبانية والروايات التاريخية المتباينة، تظل عملية رفع العلم الإسباني في السادس من يناير 1848 محطة مفصلية في تاريخ جزر الجعفرية، ليس فقط بسبب سرعة تنفيذها، بل أيضاً لما تطرحه من أسئلة بشأن التنافس الأوروبي وموقع المغرب في التحولات التي عرفتها المنطقة.
وهكذا، فإن تاريخ الجعفرية لا يختزل في لحظة إنزال عسكري ورفع علم، بل يمثل جزءاً من تاريخ أوسع شهد تنافس القوى الأوروبية على المواقع الاستراتيجية بشمال إفريقيا، ولا يزال فهمه يستدعي قراءة متأنية للمصادر التاريخية والوثائق الدبلوماسية، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاستنتاجات التي لا تسندها أدلة كافية.