زايوتيفي – متابعة
لم يكن أحد يتوقع أن تصبح التكنولوجيا الحديثة، التي اختصرت المسافات وغيّرت شكل الحياة اليومية، وسيلة للعودة إلى زمن مضى عليه أكثر من أربعة عقود.
فخلال الأيام الأخيرة، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي ترند جديد يقوم على تحويل الصور الحديثة إلى صور تحاكي أجواء ثمانينيات القرن الماضي، مستعينا بتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد تشكيل الملابس وتسريحات الشعر والألوان والإضاءة وحتى ديكورات الأماكن بما يتناسب مع روح تلك المرحلة.
وبمجرد انتشار هذه الصور، وجد عدد كبير من رواد مواقع التواصل أنفسهم أمام نسخة مختلفة من ذواتهم؛ نسخة تستحضر مرحلة ارتبطت في ذاكرة كثيرين بالطفولة والشباب، وبأيام كانت فيها الحياة أكثر بساطة، والصور أقل وفرة، واللقاءات الإنسانية أكثر حضورا.
المثير في هذا الترند أن جاذبيته لا تبدو مرتبطة بالتقنية وحدها، بل بما تحمله الصور من شحنة عاطفية.
فتفاصيل بسيطة مثل الملابس القديمة، وتسريحات الشعر، وأجهزة التلفاز والكاسيت، وألوان الصور وديكورات المنازل، أصبحت كافية لإعادة كثيرين إلى ذكريات بعيدة، وكأن الصورة المولدة رقميا فتحت نافذة صغيرة على زمن لم يعد موجودا إلا في الذاكرة.
وفي المغرب، تبدو هذه الظاهرة أكثر ارتباطا بذاكرة جيل عاش فترة الثمانينيات والتسعينيات، حين كانت الحيّات الشعبية، وفضاءات الجيران، واللقاءات العائلية، وأشرطة الكاسيت، والصور المطبوعة، جزءا من تفاصيل الحياة اليومية.
اليوم، وبلمسة واحدة، يمكن لصورة حديثة أن تستعيد تلك الأجواء، وهو ما جعل الكثيرين يتفاعلون معها باعتبارها أكثر من مجرد تجربة تقنية عابرة.
المفارقة اللافتة أن الذكاء الاصطناعي، الذي يمثل إحدى أبرز تقنيات المستقبل، أصبح أداة لاستحضار زمن لم يعرف أصلا الهواتف الذكية ولا المنصات الرقمية.
وبدل أن يستخدم الإنسان هذه التكنولوجيا فقط لصناعة صور مستقبلية، أصبح يستخدمها للعودة إلى الوراء، واستعادة شكل كان عليه في طفولته أو شبابه، أو تخيل نفسه في زمن لم يعشه أصلا.
ويبدو أن سرعة الحياة الحديثة، وكثرة الانشغال بالشاشات، قد جعلت الحنين إلى الماضي أكثر حضورا. فالصورة القديمة، حتى عندما تكون مصطنعة بواسطة الذكاء الاصطناعي، تمنح صاحبها لحظة تأمل في مراحل من حياته، وفي أشخاص وأماكن وذكريات لم يعد بالإمكان استعادتها في الواقع.
ورغم أن الظاهرة بدأت باعتبارها تحديا بصريا جديدا، فإن انتشارها الواسع يكشف جانبا إنسانيا يتجاوز عالم المنصات الاجتماعية.
فالإنسان، كلما تقدم به العمر وتسارعت وتيرة الحياة من حوله، يصبح أكثر ميلا إلى استحضار ماضيه، ليس بالضرورة لأنه كان أفضل في كل شيء، وإنما لأنه ارتبط بمرحلة من حياته يصعب استعادتها.
وهكذا، تحولت صور الثمانينيات إلى وسيلة لاستعادة الذاكرة، ولو لدقائق قليلة.
قد تكون الصورة مصنوعة بالذكاء الاصطناعي، لكن المشاعر التي توقظها حقيقية؛ صورة قد تجعل شخصا يتذكر والديه، أو أصدقاء الطفولة، أو حيا قديما، أو بيتا لم يعد قائما، أو أياما كان يعتقد أنها ستستمر إلى الأبد.
وربما هنا تكمن قوة هذا الترند: فهو لا يعيد الثمانينيات فعليا، لكنه يعيد الإنسان إلى نفسه للحظات.
وبين التكنولوجيا والحنين، تستمر صور «الزمن الجميل» في الانتشار، مؤكدة أن بعض الذكريات لا تحتاج إلى كثير من التفاصيل حتى تعود إلى الحياة… يكفي أحيانا أن نرى صورة تشبه الماضي، حتى نتذكر كل شيء.