زايوتيفي – متابعة
في السياسة المحلية بمدينة زايو، يبدو أن قاموس المصطلحات السياسية دخل بدوره مرحلة «إعادة الهيكلة»!
فالندوة الصحفية لم تعد بالضرورة ندوة صحفية، وقد تتحول بلمسة سياسية إلى «لقاء تواصلي»، واللقاء التواصلي قد يصبح مناسبة لعرض الحصيلة، وعرض الحصيلة قد ينتهي برسائل سياسية، والرسائل السياسية… قد يفهم منها المواطن أكثر مما قيل على المنصة نفسها.
المشكلة، إذن، ليست في الاسم.
المشكلة في ما وراء الاسم.
فحين تقترب الانتخابات، تصبح بعض المصطلحات مرنة بشكل لافت: التواصل يتحول إلى تموقع، والحصيلة تصبح مناسبة لإعادة تقديم الذات، واللقاء العادي قد يكتشف فجأة أنه يحمل كل ملامح محطة سياسية.
وحتى «الحصيلة» يبدو أنها أصبحت لها مواسمها الخاصة!
تُقدَّم حين تكون الظروف السياسية مناسبة، وتُستدعى عندما تقترب الاستحقاقات، وكأن الأرقام والإنجازات لا تصبح صالحة للاستهلاك السياسي إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع.
أما المظلات السياسية، فهنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.
بالأمس مظلة، واليوم مظلة أخرى، وغدًا ربما نحتاج إلى تطبيق خاص على الهاتف لمعرفة تحت أي مظلة يقف هذا السياسي أو ذاك!
لا أحد يعترض على تغيير الموقع السياسي. فالسياسة ليست عقد زواج أبديًا، والتحالفات بطبيعتها متحركة، والسياسي من حقه أن يراجع اختياراته ومواقفه.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين تغيير الموقف السياسي وبين تغيير المظلة مع الإصرار على تقديم الخطاب نفسه وكأن شيئًا لم يتغير.
وهنا بالضبط تبدأ أسئلة المواطن.
من يدعم من؟
ومن يقف خلف من؟
ومن يمثل من؟
وهل التحالفات التي تظهر في الكواليس هي مجرد صدفة، أم أنها مقدمات لإعادة ترتيب الخريطة السياسية المحلية؟
في زايو، لم يعد الستار سميكًا كما كان.
بعض التحركات أصبحت مرئية، وبعض الصور تقول أكثر مما تقوله الخطب، وبعض الحضور السياسي في المناسبات أصبح يحمل رسائل يصعب تجاهلها.
وقد يكون كل ذلك طبيعيًا في سياق سياسي يعرف إعادة التموضع، لكن الطبيعي أيضًا أن يتحمل كل فاعل سياسي مسؤولية اختياراته، وأن يقول للمواطن بوضوح: هذا موقفي، وهذه وجهتي، وهذه الأسباب.
أما أن تتغير المواقع وتبقى اللغة ثابتة، فهذا ما يضع المواطن أمام معادلة سياسية غريبة:
اللون يتغير، والمظلة تتغير، لكن الخطاب يصر على أنه لم يتغير!
والأكثر إثارة أن بعض اللقاءات التي تقدم باعتبارها «تواصلية» تبدو أحيانًا وكأنها بروفات سياسية مبكرة لما قد يأتي لاحقًا.
وهنا لا يتعلق الأمر بمنع التواصل، ولا بمصادرة حق أي سياسي في تقديم حصيلته أو الدفاع عن تجربته.
بل يتعلق بالسؤال الأبسط: متى يكون التواصل تواصلاً، ومتى يصبح التموقع تموقعًا، ومتى تبدأ الحملة الانتخابية قبل أن يعلن أحد رسميًا أنها بدأت؟
السياسة تحتاج إلى ذكاء، نعم.
وتحتاج إلى حسابات، بالتأكيد.
لكنها تحتاج قبل ذلك إلى شيء أبسط بكثير: الوضوح.
لأن المواطن اليوم لم يعد يكتفي بما يسمعه من فوق المنصة، بل يتابع من حضر، ومن غاب، ومن صافح من، ومن جلس إلى جانب من، ومن كان بالأمس خصمًا وأصبح اليوم قريبًا سياسيًا.
وإذا كانت السياسة فن الممكن، فإن ذاكرة المواطن هي أيضًا فن التذكّر.
يتذكر المواقف، والخطابات، والتحالفات، والوعود، ومن كان تحت أي مظلة عندما كانت تلك المظلة في أوج قوتها.
لذلك، فالمطلوب ليس أن يبقى السياسي أسيرًا لموقف قديم، ولا أن يمنع من تغيير تحالفاته.
المطلوب فقط أن يمتلك الجرأة ليقول:
نعم، غيّرت موقفي. وهذه قناعتي.
أما أن نطلب من المواطن ألا يرى ما يراه، وألا يقرأ ما يقرأ، وألا يقارن بين الأمس واليوم، فذلك ربما يحتاج إلى أكثر من «لقاء تواصلي» لإقناعه.
في النهاية، قد تتغير المظلات، وتتبدل الألوان، وتتغير العناوين، وقد يصبح «اللقاء» ندوة، والندوة لقاءً، والحصيلة مناسبة انتخابية متنكرة في ثوب التواصل…
لكن هناك شيء واحد لا يتغير:
المواطن يرى، يتابع، يقارن… وفي يوم الاقتراع يقول كلمته.
وهناك، لا تنفع المظلات كثيرًا.
فالسماء قد تكون ملبدة سياسيًا، لكن صندوق الاقتراع لا يعرف إلا الأسماء والأصوات.