زايوتيفي – متابعة
مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر، عاد إلى الواجهة بالمغرب نقاش شرعي وسياسي حول المشاركة في الانتخابات ومعايير التصويت، خصوصا مع اختلاف المواقف بشأن الأحزاب والمرجعيات والبرامج. وفي هذا السياق، برزت قاعدة المصالح والمفاسد باعتبارها أحد الأصول التي يستند إليها المشتغلون بالفقه والدعوة في تقدير الموقف الانتخابي، مع التشديد على أن الاختيار لا يبنى على أسماء الأحزاب وشعاراتها، وإنما على ما يترتب عليها من مصالح ومفاسد وآثار على الدين والمجتمع والمال العام
هذا النقاش شارك فيك فيه الفقيه المغربي قاسم أكحيلات في جواب له حول حكم المشاركة في الانتخابات والتصويت لحزب العدالة والتنمية، حيث بنى موقفه على قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد، معتبرا أن اختيار الأقل شرا عند تعذر الخير الكامل أصل معتبر، وأن الحكم على الخيارات السياسية لا ينبغي أن يتوقف عند الأسماء والشعارات، وإنما عند ما يترتب عليها من آثار في الدين والمجتمع والعدل والمال العام.
وفي المقابل، أعلن قبل ذلك الدكتور رشيد بن كيران، في مقال نشره على حائطه بالفيسبوك، أنه سيصوت لحزب العدالة والتنمية، مؤكدا أن موقفه ليس مبنيا على الانتماء الحزبي، وإنما على ما وصفه بالمقارنة بين الخيارات الواقعية ووزن المصالح والمفاسد.
وبذلك، لا يبدو الخلاف بين الرجلين خلافا حول أصل قاعدة الموازنة بقدر ما هو اختلاف في تطبيقها على الواقع السياسي المغربي. فاكحيلات يحذر من منح أي حزب غطاء شرعيا لمجرد حمله اسما أو شعارا إسلاميا، بينما يقدم بن كيران اختياره باعتباره اجتهادا سياسيا لا يعني أن الحزب يمثل الإسلام تمثيلا كاملا.
وهنا تبرز قضية المرجعية. فالساحة السياسية المغربية تضم أحزابا ذات تصورات مختلفة للدولة والمجتمع والتشريع، وبينها أحزاب ذات توجهات مدنية أو علمانية بحسب ما تعلنه وثائقها وخطاباتها، وأخرى تجعل المرجعية الإسلامية والهوية والقيم الدينية جزء من تصورها السياسي. ولذلك فإن الناخب الذي يجعل المرجعية الدينية معيارا في اختياره يجد نفسه أمام سؤال يتجاوز اسم الحزب إلى الإعلان عن موقفه من الأسرة والتشريع والهوية والحريات كما يسوق لها اليوم، ومن حدود حضور المرجعية الإسلامية في المجال العام.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال الموقف الشرعي في مجرد البحث عن حزب يحمل مرجعية دينية. فالمعيار الذي يطرحه خطاب الموازنة يفرض أيضا النظر في النزاهة والكفاءة وحفظ المال العام والقدرة على دفع الضرر وتحقيق المصلحة. فالمرجعية المعلنة لا تعفي الحزب من المحاسبة على ممارسته.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع الملفات التشريعية والاجتماعية التي أصبحت محل خلاف عمومي، وعلى رأسها قضايا الأسرة والسياسة الجنائية ومكافحة الفساد والإثراء غير المشروع وغيرها من الأوراش القانونية. وهي ملفات لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفاصيل تقنية فقط، لأنها تمس تصورات متباينة حول العدالة والأسرة والحقوق والعقوبات والمال العام. وقد دخل المغرب بالفعل في مسار متواصل لإصلاح المنظومة الجنائية، فيما تظل تفاصيل واتجاهات الإصلاح محل نقاش مؤسساتي وسياسي ومجتمعي
وفي هذا السياق، فإن الدفاع عن الدين والمرجعية الإسلامية ليس موقفا حزبيا عابرا، بل يستند إلى ثوابت دستورية واضحة؛ فدستور 2011 ينص على أن الإسلام دين الدولة، ويجعل الدين الإسلامي ضمن الثوابت الجامعة التي تستند إليها الأمة في حياتها العامة، كما يمنع على الأحزاب أن “يكون هدفها المساس بالدين الإسلامي”. أضف إلى كل هذا أن الشأن الديني في المغرب له مرجعيته الدستورية المرتبطة بإمارة المؤمنين، بما يجعل التعامل مع الدين مختلفا عن تدبير الاختلاف في القضايا السياسية والاجتماعية.
ومن ثم، فإن أي مشروع سياسي أو تشريعي يتجه إلى تهميش الدين أو إقصاء المرجعية الإسلامية من المجال العام ينبغي أن يخضع للنقاش والمساءلة على ضوء الثوابت الدستورية للمملكة.
ذلك أن الأصل أن الأحزاب السياسية تتنافس حول كيفية تدبير الشأن العام، لا حول إلغاء الثوابت التي تقوم عليها الدولة والمجتمع والعمل على إقصاء وتهميش بعض الأحكام الشرعية التي بقي العمل بها ساريا إلى اليوم. ولذلك فإن تحذير الناخب من المشاريع التي تستهدف إبعاد الدين عن التشريع أو تهميش حضوره في الحياة العامة يمكن أن يكون جزء من النقاش السياسي المشروع، متى استند إلى برامج ومواقف معلنة، لا إلى اتهامات مجردة.