زايوتيفي – متابعة
لاحظ العديد من المراقبين عدم تأخر تشكيل حكومة الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري، فقد استغرق تشكيلها سبعة عشر يوما، وهو زمن قياسي، إذا ما قورن بمدة تشكيل حكومة عبد الرحمان اليوسفي 38 يوما وحكومة عبد الإله بن كيران 35 يوما وحكومة عزيز أخنوش 27 يوما، باستثناء حكومة سعد العثماني التي استغرق تشكيلها 19 يوما والتي يفسر تقلص مدة تشكيلها بأنها حكومة تكملة لمشاورات سابقة، وأتت لتزيح العقبات التي أعاقت تشكيل حكومة بن كيران.
قد يقرأ البعض في قصر مدة تشكيل حكومة فاطمة المنصوري نوعا من الامتياز لحكومة الأصالة والمعاصرة، الحزب الذي خرج من معطف السلطة، لكن يصعب إثبات مثل هذا التمييز والمحاباة، فالملاحظة المسجلة أن تقليص مدة تشكيل الحكومة كان هو السمة التي طبعت الحكومات المتعاقبة، وأن توجها ما من قبل النخب العليا ينزع نحو تثبيت هذا المكتسب لتقليص مدة تصريف الأعمال التي غالبا ما تحيل على واقع الفراغ السياسي. كما أن تأخر موعد الانتخابات التشريعية إلى 23 سبتمبر، وضيق المدة بالنظر إلى الإكراهات الزمنية المرتبطة بالمصادقة على التوجهات العامة لمشروع قانون المالية للسنة في مجلس الوزراء والتي تتبعها المصادقة على المشروع بمجلس الحكومة، ثم إيداعه بمكتب مجلس النواب وذلك بين فاتح أكتوبر، هو ما سرع بتشكيل الأغلبية الحكومية في 13 أكتوبر (10 أيام عن تعيين رئيسة الحكومة) وتشكيل الحكومة يوم 16 أكتوبر (16 يوم عن تعيين رئيسة الحكومة) وعرض البرنامج الحكومي في 19 أكتوبر بعد ستة أيام عن تشكيل الأغلبية الحكومية.
بالنظر لحجم الحقائب واعتبار النوع الاجتماعي، لا تعطي التشكيلة الحكومية أي صورة عن حصول تقدم في اتجاه تقليص التشكيلة الحكومية، لكنها تشير إلى استقرار في إسناد المهمات الوزارية للنساء مقارنة مع السابق، فقد أضيفت حقيبة للنساء مقارنة مع حكومة أخنوش، وحصل تراجع بحقيبتين قياسا إلى حكومة العثماني.
الملاحظة الثالثة، تتعلق باستقرار ما يسمى بوزراء السيادة، في الداخلية والخارجية والأوقاف، يضاف إليهم استقرار عبد اللطيف وهبي في وزارة العدل. تفسير ذلك أن ورشي حسم ملف الوحدة الترابية، استكمال حلقات تجديد الحقل الديني، لا يزالان مستمرين، وبقاء عبد الوحد لفتيت في الداخلية جاء مكافأة له على نجاحه في إدارة العملية الانتخابية، التي لم تعرف أي طعن سياسي في مخرجاتها، وأنتجت خريطة سياسية، تجمع بين التغيير، وبين التكيف مع متغيرات الوضع الدولي والإقليمي، والاستماع إلى حراك الشعب، وما يتطلبه ذلك من تقوية المؤسستين التنفيذية والتشريعية.
قد يبدو بقاء عبد اللطيف وهبي في نظر الكثيرين مشكلا، فقد ساد الاعتقاد بأنه سيكون ضحية هذه الحكومة بسبب أخطائه في تدبير ملف المدونة، والزوابع التي أثارها في وجه مختلف الفاعلين في المنظومة القضائية لاسيما هيئة المحامين التي دخلت في إضراب لم يتوقف حتى الثامن من أكتوبر الجاري، والواقع، أن بقاءه يحمل رسالة واضحة، أن هناك أجندة تشريعية تتطلب الاستكمال، دون أن يعني ذلك تمرير مدونة الأسرة بالصيغة الحداثية الصادمة التي يدافع عنها، فكل ما في الأمر، أن بقاءه يحمل رسالة للخارج خاصة بأن السلطة التنفيذية جادة في إحداث تغيير يجد ترحيبا من الأوساط الغربية، لكن وجود معارضة قوية داخل المؤسسات، سيضمن التوازن للدولة، لكي تمرر ما يتحمله دستورها وهويتها، دون أن تقع في حرج وابتزاز الضغط الدولي.
من جهة الهندسة الحكومية، لا يلمس في تشكيل الحكومة تغيير جوهري، فباستثناء إعادة التكوين المهني إلى وزارة التربية الوطنية، وهو الوضع الطبيعي لهذا القطاع، بدل ربطه بقطاع الشغل، يمكن أن نعتبر تفتيت بعض القطاعات أو ضم بعضها لبعض ناتجا عن متطلبات التفاوض وضغط كل حزب لتوسيع حصته، وليس ناتجا ضرورة عن تصور جديد. ويمكن اعتبار تقوية وزارة المالية والاقتصاد بإضافة مهمة تأمين النجاعة العمومية مبنيا على تصور يرمي أن تصير وزارة المالية مكلفة أيضا بمهمة الرقابة والحكامة وتأمين التقائية المشاريع وانسجامها والقطع مع منطق التمويل دون متابعة الأثر، وهو تصور ربما قصد به تصحيح الاختلالات التي حصلت في توزيع الدعم العمومي دون التحقق من جدواه، مما أنتج تضييع أموالا طائلة صرفت للرفع من القدرة الشرائية لكن «أثرها كان لدون فائدة تقريبا» كما صرح بذلك وزير الميزانية السابق فوزي لقجع.
حساب الكسب والخسارة، يوضح بأن الحصة الأكبر عادت إلى حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، وهو أمر منطقي بحكم المقاعد التي حصل عليها كل واحد منهما، لكن الملاحظة الجديرة بالاهتمام، هو إسناد الحقائب الوزارية ذات الحمولة الاجتماعية لحزبي اليسار: الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، إذ حصلا على وزارة التربية الوطنية، ووزارة الصحة، ووزارة التشغيل والإدماج الاجتماعي، فاستحوذ «البام» والاستقلال على القطاعات الإنتاجية كلها، بقدر من التوازن، فيما منحت وزارة واحدة من هذه الوزارات للتقدم والاشتراكية، وهي وزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، وهي وزارة لا تتجاوز دور التنسيق بين المكاتب التي تدير بشكل مباشر الثروة المعدنية والطاقية (المكتب الشريف للفوسفات، والمكتب الوطني للماء والكهرباء، والمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن، والوكالة المغربية للطاقة المستدامة مازن..).
الرسالة السياسية وراء ذلك أن القطاعات التي تتصل من جهة بعالم الإيديولوجيا، ومن جهة أخرى، بتحمل الكلفة الاجتماعية، سيتحمل اليسار مسؤوليتها، فيما ستدار القطاعات الإنتاجية الكبرى بشكل متوازن من الحزبين المتصدرين للانتخابات، وسيكون على وزارة المالية بصيغتها الجديدة الموازنة بين مطلب تنمية الموارد في هذه القطاعات، والاستجابة لمتطلبات استكمال الدولة الاجتماعية.
وجود حسن طارق أمينا للحكومة، عَدهُ البعض ضمن مكتسبات الاتحاد الاشتراكي، لكن الصورة التي التقطها إدريس لشكر مع وزراء حزبه في الحكومة، وعدم وجود حسن طارق فيها، تشير إلى أن أمانة الحكومة، محسوبة على الجانب التكنوقراطي في الحكومة.
لم يغب التكنوقراط – خارج اعتبار وزراء السيادة – عن هذه الحكومة، فقد حضر حسن طارق الأمين العام للحكومة، وأحمد رحو وزير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وذلك بدون إلباس هؤلاء أي لبوس سياسي، وهو رقم محدود، جدا، يتم تعليله بمستوى الكفاءة التي أظهرها هؤلاء في المناصب التي تقلدوها سابقا.
ظاهرة فرض وزراء على بعض الأحزاب من غير تلوينهم لم تكن طاغية، كما كان الواقع من قبل، فهذه المرة، تم صبغ وزير واحد تم حسابه على الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وإسناد وزارة الصحة له.
غياب الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي في حكومة حضر فيها الأمناء العامون الثلاثة لأحزاب الأغلبية يطرح علامة استفهام كبيرة تزكي فكرة أن وجوده في الحكومة صار ينظر إليه سلبيا، ويفتح المجال لتوقع سيناريو قرب مغادرته لقيادة سفينة الاتحاد، ما يسمح ببداية هذا المسار النقاش الذي انطلق مبكرا داخل أورقة الحزب حول قبول الاتحاد الاشتراكي وحده، أن يصبغ تكنوقراطي بلونه وبحسب على حقائبه الوزارية، في الوقت الذي كان هذا الحزب من أشد المعارضين لهذه الظاهرة.