زايوتيفي.نت
مداغ – أحيت الزاوية القادرية البودشيشية، يوم السبت 24 صفر 1448 هـ، الموافق لـ8 غشت 2026، بالزاوية الأم بمداغ، الذكرى الأولى لانتقال الشيخ المربي سيدي جمال الدين القادري البودشيشي، في ليلة روحية استحضرت مساره العلمي والتربوي، ومناقبه، وما راكمه من إسهام في ترسيخ قيم التزكية والتربية الروحية وخدمة رسالة الزاوية.
وترأس هذه الليلة الروحية فضيلة الشيخ الدكتور منير القادري البودشيشي، بمشاركة عدد من العلماء والمثقفين والباحثين والضيوف، وحضور واسع للمريدين والمحبين الذين حجوا إلى الزاوية من مختلف مناطق المغرب ومن خارج المملكة، في مشهد جسّد مكانة الراحل في قلوب مريديه ومحبيه، وحرصهم على صون الذاكرة الروحية والعلمية التي تركها وراءه.
وشكلت المناسبة محطة للوفاء واستحضار سيرة رجل كرّس حياته للتربية والسلوك، حيث توقفت كلمات المشاركين عند الأدوار التي اضطلع بها الشيخ جمال الدين القادري البودشيشي في مجال التوجيه والتربية، وفي ترسيخ قيم الإسلام السمحة، وتعزيز معاني الاعتدال والتواضع والمحبة، إلى جانب تشبثه بالثوابت الدينية والوطنية للمملكة المغربية.
لم يكن حضور الشيخ جمال الدين في المشهد الصوفي المغربي قائماً على موقعه داخل الزاوية فحسب، بل ارتبط كذلك بمسار علمي وأكاديمي مكنه من الجمع بين المعرفة الشرعية والتجربة الروحية.
فقد ولد الراحل سنة 1942 بقرية مداغ بإقليم بركان، وتلقى تعليمه الأولي بالزاوية، قبل أن ينتقل إلى فاس لمتابعة دراسته بثانوية مولاي إدريس، ثم يواصل تكوينه في مجال العلوم الشرعية، قبل أن يلتحق بدار الحديث الحسنية بالرباط، حيث حصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإسلامية.
وفي سنة 2001، ناقش أطروحة الدكتوراه حول موضوع «مؤسسة الزاوية في المغرب بين الأصالة والمعاصرة»، وهو موضوع يعكس جانباً أساسياً من اهتماماته العلمية، المرتبط بدراسة وظيفة الزاوية وأدوارها في المجتمع المغربي، وعلاقتها بالتحولات التي عرفها المجال الديني والفكري.
وقد شكل هذا التكوين الأكاديمي، إلى جانب التجربة الصوفية والتربوية، أحد أبرز ملامح شخصية الشيخ جمال الدين، الذي ظل حريصاً على الربط بين أصالة التصوف المغربي ومتطلبات التجديد، دون التفريط في جوهر التربية والسلوك.
عرف الشيخ جمال الدين القادري البودشيشي بابتعاده عن الأضواء الإعلامية وتفرغه للتربية الروحية والسلوك، مفضلاً العمل الهادئ داخل فضاء الزاوية، والاحتكاك المباشر بالمريدين وطلاب العلم وأهل الطريق.
ولم يكن ظهوره الإعلامي منتظماً، إذ ظل حضوره العلني مرتبطاً أساساً بالمناسبات الروحية الكبرى، وهو ما منح مساره خصوصية قائمة على أولوية التربية والممارسة الروحية على الحضور الإعلامي.
وقد سار في ذلك على نهج والده الشيخ الراحل سيدي حمزة القادري البودشيشي، في ترسيخ قيم التزكية والتواضع والمحبة، وفي الحفاظ على خصوصية المدرسة القادرية البودشيشية باعتبارها مدرسة تربوية وروحية تقوم على الذكر والصحبة وحسن السلوك.
تولى الشيخ جمال الدين مشيخة الزاوية القادرية البودشيشية خلفاً لوالده سنة 2017، في سياق استمرار تقليد روحي وعلمي عريق داخل الزاوية.
وقد ارتبط انتقال المشيخة بوصية مكتوبة ومختومة تعود إلى سنة 1990، أوصى فيها الشيخ حمزة القادري البودشيشي بنقل الإذن في تلقين الذكر والدعوة إلى الله إلى ابنه جمال الدين، ثم إلى ابنه مولاي منير بعد وفاته.
وقبيل مرضه، وخلال إحياء الذكرى الثامنة لوفاة الشيخ حمزة القادري البودشيشي في يناير 2025، أعلن الشيخ جمال الدين عن وصيته المتعلقة بنقل الأمانة الروحية إلى ابنه الدكتور مولاي منير القادري البودشيشي، في استمرار للمسار الروحي الذي عرفته الزاوية عبر أجيالها.
وفي كلمته، شدد الراحل على التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتعظيم الرابطة الروحية، والتشبث بإمارة المؤمنين والعرش العلوي المجيد، باعتبارهما من مقومات الوحدة الدينية والوطنية والاستقرار الذي يميز النموذج المغربي.
خلال مساره، أسهم الشيخ جمال الدين القادري البودشيشي في مواصلة الحضور الروحي والعلمي للطريقة القادرية البودشيشية، التي استطاعت خلال العقود الماضية أن توسع دائرة إشعاعها داخل المغرب وخارجه.
وقد ساهم الجمع بين التربية الروحية والانفتاح على المعرفة والثقافة في تعزيز حضور الزاوية في عدد من الفضاءات العلمية والفكرية، وجعل التجربة البودشيشية موضوعاً للاهتمام لدى باحثين ومهتمين بالتصوف المغربي المعاصر.
وكان الشيخ جمال الدين، بما راكمه من تكوين أكاديمي وتجربة تربوية، أحد الوجوه التي جسدت هذا التلاقي بين المعرفة والتزكية، وبين الموروث الصوفي المغربي والانفتاح على قضايا الإنسان والمجتمع في العصر الحديث.
لم تكن الذكرى الأولى لرحيل الشيخ جمال الدين مجرد مناسبة لاستحضار الماضي، بقدر ما شكلت محطة للتأكيد على استمرار الرسالة التربوية التي حملها الراحل، وعلى أهمية الحفاظ على القيم التي جعل منها عنواناً لمساره: الذكر، والتزكية، والتواضع، وحسن الخلق، والمحبة، وخدمة الناس.
وفي أجواء روحية طبعتها مشاعر الوفاء والتقدير، استحضر المريدون والمحبون صورة الشيخ المربي، ليس فقط باعتباره شيخاً تولى مشيخة الزاوية، وإنما باعتباره أحد أبناء المدرسة الروحية التي جعلت من التربية والسلوك أساساً لبناء الإنسان.
ومن مداغ، حيث نشأ الراحل وحيث واصل آباؤه وأجداده مسيرة التربية، حملت الذكرى الأولى لرحيله رسالة واضحة مفادها أن رحيل المربي لا يعني انقطاع أثره، وأن السيرة التي تُبنى على العلم والتواضع وخدمة الناس تظل حاضرة في وجدان من تلقوا عنها.
وهكذا، شكلت ليلة الذكرى الأولى للشيخ سيدي جمال الدين القادري البودشيشي لحظة وفاء لسيرة عالم ومربٍ، وفي الوقت نفسه محطة لاستحضار استمرارية الأمانة الروحية، ومواصلة المسار الذي اختارته الزاوية القادرية البودشيشية في الجمع بين العلم والتربية، والأصالة والانفتاح، والذكر وخدمة الإنسان والوطن.
