ختاما، يبدو أن وزير العدل لا يخوض مجرد نقاش تقني حول القوانين، بل معركة أيديولوجية يسعى لتوجيهها نحو اتجاه معين قبل مغادرته المحتملة للمشهد الحكومي وربما السياسي أيضا. غير أن مثل هذه القضايا لا تُحسم بالتصريحات المثيرة ولا بالمنطق السطحي للوزير العصبي الذي شهدت وزارة العدل خلال ولايته واحدة من أصعب مراحها، بل بحوار وطني جاد يوازن بين الانفتاح والسيادة القيمية، بعيدا عن أي شكل من أشكال التضليل أو الابتزاز باسم الانفتاح والعالمية.
زايوتيفي – متابعة
لم تكن تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي حول كأس العالم مجرد مداخلة عابرة في ندوة جامعية، بل كشفت مرة أخرى عن تصور اختزالي وسطحية واضحة في مقاربة قضايا معقدة تمس هوية المجتمع وتوازناته القانونية. فبدل تقديم رؤية مؤسساتية رصينة تزاوج بين الانفتاح واحترام الثوابت، اختار الوزير لغة التهكم والتبسيط المخل، وكأن المغرب يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الذوبان الكامل في أنماط سلوكية أجنبية، أو الانسحاب من تنظيم التظاهرات الدولية.
حديث وهبي خلال مداخلة له بكلية الحقوق السويسي بالرباط، يوم الخميس 30 أبريل 2026 عن ضرورة جلب كل ما مع كأس العالم ليس بريئا، بل يحمل في طياته نزعة إيديولوجية واضحة تسعى إلى إعادة تشكيل المنظومة القيمية والقانونية تحت غطاء الجرأة والواقعية. فهل فعلا تنظيم حدث رياضي عالمي يفرض على الدول التخلي عن مرجعياتها؟ أم أن الأمر يتعلق بقراءة تسطيحية انتقائية تُستعمل لتبرير تمرير تصورات معينة ظلت تصطدم برفض مجتمعي واسع؟
اللافت أن الوزير يتحدث وكأن المغرب إمارة مغلقة تراقب الناس في الشوارع والفنادق، بينما الواقع يكشف عكس ذلك تماما. فمدن كبرى مثل مراكش وطنجة والدار البيضاء تعرف، بشهادة الجميع، انفلاتات وسلوكيات تخالف القانون بشكل يومي، وهذا الوضع المخل يضعنا أمام سؤال: لماذا يتم تضخيم صورة التشدد لتبرير مزيد من التسيب، بدل معالجة الاختلالات القائمة أصلا في إطار القانون؟
تصريحات وهبي، التي يكررها بالمناسبة في غير ما مناسبة، لا يمكن فصلها عن سلسلة من المواقف المثيرة للجدل التي بصمت مساره الحكومي، من حادثة التقاشير وزعمه معرفة لونها وأن الأجهزة والسلطات تشتغل تحت إمرته، وعبارة “باباه لاباس عليه صيفط ولدو يقرا فكندا”، وفضيحة تسجيل صوتي يقول فيه لأحد المتصلين “خلينا نعالجو الأمور من تحتها”.. وتصريحه بأنه يتجه إلى إلغاء تجريم العلاقات الرضائية بالمغرب، وأن كل شخص حرّ في أن يختار الذهاب مع واحدة أو اثنين، واتهامه لرجال ونساء المغرب بأنهم متورطون في جريمة الزنا وتصريحه وهو يقهقه دون مبالاة “أجيو نديرو لـADN كلما تزاد شي دري نقلبو على باه.. يبقى المغربي غادي وتابعو 20 دري.. وأنا مانّي“، إلى وصف إمارة المومنين بالإسلام السياسي.
كلها مؤشرات على خطاب يتجاوز النقاش القانوني نحو محاولة فرض تصور قيمي جديد، يُقدَّم على أنه ضرورة حداثية، بينما هو في جوهره قطيعة مع ثوابت دستورية واضحة.
الأخطر في هذا الخطاب أنه يوهم الرأي العام بأن احترام الهوية والقيم يتعارض مع النجاح في تنظيم الأحداث الكبرى، وهو ادعاء تدحضه التجارب القريبة. فمونديال قطر، رغم كل الانتقادات، نجح في تقديم نموذج مختلف، حافظ على خصوصيته الثقافية والدينية دون أن يفشل في التنظيم أو ينغلق على العالم. وهو ما يثبت أن الإشكال ليس في القيم، بل في طريقة تدبيرها. وفي بعض المسؤولين الذي يعيشون في غربة عنها.
إن النقاش الحقيقي اليوم ليس: هل نريد كأس العالم أم لا؟ بل: أي نموذج نريد تقديمه للعالم؟ نموذج يعتز بهويته ويضبط انفتاحه، أم نموذج مرتبك يبحث عن القبول عبر التنازل؟


الركراكي: إلتقيت بلامين لكن صعب ان يقرر بحكم سنه...
نادي طلبة تطوان يعود إلى بطولة القسم الوطني الثاني...
مصالح الأمن تنهي نشاط مروج ” ماحيا ” بحي...
كيف يمكن للأجانب فتح شركات في إسبانيا وبدء نشاط...